ألمانيا فشلت منذ فترة طويلة في إيجاد بديل مناسب لإعتمادها الكبير على الغاز الروسي

في الأسابيع التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في ٢٤ شباط / فبراير ٢٠٢٢، شرع الرئيس التنفيذي لشركة الطاقة الإيطالية إيني ( ENI )، كلوديو ديسكالزي Claudio Descalzi، بعدة رحلات إلى موردي الغاز في إفريقيا، حيث تضمنت الزيارات إجتماعات مع مسؤولين في الجزائر، بالإضافة إلى محادثات في أنغولا ، مصر وجمهورية الكونغو، مع كبار المسؤولين في الحكومة الإيطالية
تمكنت شركة إيني التي تسيطر عليها الدولة، والحكومة الإيطالية من الإستفادة من علاقات التوريد الحالية مع تلك الدول لتأمين غاز إضافي لإستبدال جزء كبير من الكميات التي تلقتها من أكبر مورديها، وهي روسيا.
إنه تحول ذكي عجزت العديد من الدول الأوروبية عن الوصول له، حيث أدت حرب روسيا إلى دفع هذه الدول إلى للبحث عن بديل واقعي.
ألمانيا على سبيل المثال، كقوة إقتصادية ومثال على التخطيط الحكيم،لكنها لم تكن مستعدة على الإطلاق، البلاد على شفا الركود، وتستعد صناعتها لتقنين الغاز والطاقة وقد قامت للتو بتأميم مرفق رئيسي.
تبدو إيطاليا، وهي دولة على دراية بالأزمات الإقتصادية، مرنة نسبياً، لقد أمنت إمدادات إضافية وهي واثقة من أنها لن تحتاج إلى ترشيد الغاز، حيث أشادت حكومتها بالأمة بإعتبارها الأفضل في أوروبا، فيما يتعلق بأمن الطاقة.
قال ألبرتو كلو Alberto Clò، وزير الصناعة الإيطالي السابق وعضو مجلس إدارة سابق في شركة إيني الإيطالية، التقدير الذي يتمتع به الرئيس التنفيذي للشركة في العديد من البلدان الأفريقية هو بالتأكيد ميزة تنافسية، مشيرًا إلى صعوبات توقيع الصفقات أثناء أزمة الإمداد.
في الواقع، تجد البلدان نفسهما في ظروف متناقضة حيث تتفاوت عبء أزمة الطاقة الشديدة عبر القارة من حيث تباين الإعتماد على الغاز الروسي على نطاق واسع.
يواجه جزء كبير من المنطقة الأوربية أزمة إمدادات شتوية، مع تعرضها بشدة لأزمة مثل ألمانيا، المجر والنمسا، وتشمل الدول الأقل تضررًا فرنسا، السويد وبريطانيا، التي لم تعتمد تقليديًا على روسيا، وكذلك إيطاليا.
قال مارتيجن مورفي Martijn Murphy، المتخصص في النفط والغاز في شركة الأبحاث ( وود مكنزي Wood Mackenzie )، إنه على الرغم من أن إيطاليا تعتبر روسيا منذ فترة طويلة أكبر مزود للغاز، إلا أن تنوعها الكبير في الموردين وعلاقاتها الطويلة الأمد مع إفريقيا تعني أنها في وضع أفضل لتحمل توقف الإمدادات عن روسيا.
تتمتع شركة إيني Eni بعلاقات قوية للغاية مع جميع البلدان التي تعمل معها في شمال إفريقيا وهي موجودة في جميع البلدان، في الجزائر، تونس، ليبيا ومصر، وفي معظم هذه البلدان فهي أكبر مُستثمر في المصادر وشركة نفط دولية
مارتيجن مورفي Martijn Murphy، المتخصص في النفط والغاز في شركة الأبحاث ( وود مكنزي Wood Mackenzie )
أجبرت أزمة الطاقة التي سببتها الحرب الروسية، الحكومات على مواجهة مخاطر الإعتماد المفرط على مورد أو منطقة مهيمنة، وهي تحمل أصداء أزمة الطاقة في السبعينيات، التي أدت إلى إعادة التفكير في إعتماد الغرب على نفط الشرق الأوسط، وهو التحول الذي حفز عمليات التنقيب العالمية والبحث عن موردين بديلين مثل فنزويلا والمكسيك.
قالت وزارة الإقتصاد الألمانية، إنها تريد الإبتعاد عن واردات الغاز الروسي بأسرع ما يمكن وتنويع إمداداتها، مُستشهدة بخطوات مبكرة نحو ذلك، مثل تأجير ( خمس محطات عائمة للغاز الطبيعي المسال )، حيث لا يوجد في ألمانيا حاليًا محطات للغاز الطبيعي المسال، في حين أن إيطاليا لديها ثلاث محطات تعمل وأشترت مؤخرًا محطتين أخريين.
أستهلكت إيطاليا ( ٢٩ مليار متر مكعب ) من الغاز الروسي العام الماضي، وتمثل نحو ٤٠ ٪ من وارداتها.
قالت شركة ( إيني Eni )، إنها تحل تدريجيا محل حوالي ( ١٠.٥ مليار متر مكعب ) من أصل ( ٢٩ مليار متر مكعب )، من خلال زيادة الواردات من دول أخرى إبتداء من هذا الشتاء.
سيأتي معظم الغاز الإضافي من الجزائر، التي قالت في ٢١ أيلول / سبتمبر ٢٠٢٢، إنها ستزيد إجمالي الشحنات من الغاز إلى إيطاليا بنحو ٢٠ ٪، إلى ( ٢٥.٢ مليار متر مكعب ) هذا العام.
هذا يعني إن الجزائر ستصبح أكبر مورد لإيطاليا، وتوفر ما يقرب من ٣٥ ٪ من الواردات.
قال الرئيس التنفيذي لشركة إيني Eni، هذا الأسبوع، إن حصة روسيا أنخفضت في غضون ذلك إلى مستويات قليلة للغاية.
قالت شركة إيني Eni، إنه إعتبارًا من ربيع ٢٠٢٣، سيبدأ تدفق متزايد للغاز الطبيعي المسال من دول من بينها مصر، قطر، الكونغو ، نيجيريا وأنغولا، مما يسمح لإيطاليا بإستبدال ( ٤ مليارات متر مكعب )، أخرى من الغاز الروسي.
ألمانيا، التي شكلت ( ٥٨ مليار متر مكعب ) من الغاز الروسي المستورد العام الماضي ٥٨ ٪ من الإستهلاك، من الإمدادات عبر خط أنابيب الغاز الشمالي الأول – نورد ستريم ١، منذ حزيران / يونيو ٢٠٢٢، وتوقفت في شهر أب / أغسطس ٢٠٢٢.

نظرًا لعدم قدرة ألمانيا على تأمين إمدادات بديلة طويلة الأجل من البلدان الأخرى، وعدم وجود شركة نفط وغاز وطنية رئيسية مع إنتاج في الخارج، فقد أضطرت للذهاب إلى السوق الفوري للغاز، أو الشراء المباشر، حيث كان عليها دفع حوالي ثمانية أضعاف الأسعار.
يمكن لعوامل خارجة عن السيطرة البشرية أن تشكل أمن الطاقة، لا تتمتع ألمانيا بموقع إيطاليا لقربها من شمال إفريقيا، أو ثروات بريطانيا وبحر الشمال في النرويج، ليس لديها إحتياطيات نفط أو غاز كبيرة.
مع ذلك، فقد أخطأ المسؤولون والمديرون التنفيذيون الألمان في الحسابات في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، مما يشير إلى أن الأزمة الحالية كان من الممكن أن تتحول بشكل مختلف.
بالعودة إلى عام ٢٠٠٦، كانت إيطاليا هي الأسرع فيما يخص الإعتماد على الغاز الروسي، حيث وافقت شركة إيني Eni- أكبر مستورد للغاز في البلاد – في ذلك الوقت على أكبر صفقة غاز على الإطلاق أبرمتها شركة أوروبية مع شركة غازبروم العملاقة للطاقة التي تسيطر عليها الحكومة الروسية.
لكن في السنوات الثماني الماضية، بعد ضم جزيرة القرم، ضاعفت ألمانيا من الغاز الروسي وأصبحت تعتمد بشكل متزايد عليه، في حين سعت إيطاليا للحصول على موارد بديلة.
بدأت إيطاليا في رسم مسار مختلف في عام ٢٠١٤، عندما حلت حكومة جديدة محل حكومة سيلفيو برلسكوني، الذي كان صديقًا قديمًا للرئيس الروسي، وتولى رئيس جديد رئاسة شركة إيني، بحسب ثلاثة مصادر مطلعة على إستراتيجية الطاقة في البلاد، تحدثت لوكالة رويترز.
قال أحد المصادر لوكالة رويترز، إن الرئيس التنفيذي الجديد لشركة إيني Eni، المتخصص في التنقيب والإنتاج E&P، الذي أشرف على مشاريع في أماكن مثل ليبيا، نيجيريا والكونغو، ركز على ما يعرفه بشكل أفضل، إستكشاف إفريقيا.
حققت شركة إيني Eni، نجاح كبير في مصر في عام ٢٠١٥، عندما أكتشفت الشركة أكبر حقل غاز في البحر الأبيض المتوسط.
وقال المصدر لوكالة رويترز، أنه بينما دفع الرئيس التنفيذي الجديد شركة إيني Eni إلى المسار السريع للمشاريع، تمكنت الشركة من بدء الإنتاج في حقل ( زهور Zohr ) في أقل من عامين ونصف، وهو تطور سريع نسبيًا في الصناعة.
في الجزائر، حيث تتواجد شركة إيني Eni منذ عام ١٩٨١، أبرمت الشركة صفقة في ٢٠١٩، لتجديد واردات الغاز حتى عام ٢٠٢٧.
كان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام ٢٠١٤، والعقوبات الغربية التي تلت ذلك، لحظة فاصلة.
سحبت إيطاليا دعمها لمشروع غازبروم الجنوبي الذي تبلغ تكلفته ٤٠ مليار دولار – والذي كان يهدف إلى نقل الغاز من روسيا إلى المجر والنمسا وإيطاليا مع تجاوز أوكرانيا.
تم التخلي عن الخط الجنوبي لنقل الغاز الروسي South Stream من قبل شركة إيني Eni ، في وقت لاحق من ذلك العام، قبل أن توقفه روسيا.
بدلاً من ذلك، حولت إيطاليا أنظارها إلى إنشاء خط أنابيب أصغر عبر البحر الأدرياتيكي من أذربيجان عبر اليونان وألبانيا.
ألمانيا لم تقلص إعتمادها على الغاز الروسي.
قال يوهانس تيسين Johannes Teyssen، الرئيس التنفيذي لشركة E.ON، خلال فترة ضم شبه جزيرة القرم في عام ٢٠١٤ من قبل روسيا:-
أقامت أوروبا وروسيا شراكة في مجال الطاقة على مدار أربعة عقود، ولم يكن هنالك يوم واحد في ذلك الوقت تم فيه إستخدام الغاز كسلاح إستراتيجي ضد الغرب
علاوة على ذلك، تم إبرام إتفاقية في عام ٢٠١٥، بين شركة غازبروم وشركات منها E.ON الألمانية و Wintershall ، لتشكيل إتحاد لبناء خط أنابيب خط أنابيب الشمالي الثاني – نورد ستريم ٢ Nord Stream 2.
لقد صُدمت ألمانيا مرة أخرى، حيث قبل يوم واحد من غزو روسيا لأوكرانيا، وصف كلاوس ديتر ماوباتش Klaus-Dieter Maubach ، الرئيس التنفيذي لشركة يونيپر Uniper ، أكبر مستورد للغاز الروسي في ألمانيا، شركة غازبروم بأنها مورد جدير بالثقة، ولكن بعد فترة، غير رأيه.
بعد سبعة أشهر، تستعد الشركة لمقاضاة شركة غازبروم الروسية لطلب تعويضات عن الأضرار الناجمة عن خفض الإمدادات من الغاز، وقد تم إنقاذ الشركة بمبلغ ٢٩ مليار يورو من قبل الحكومة الألمانية، التي وافقت في أيلول / سبتمبر ٢٠٢٢، على تأميم الشركة.
تهدف ألمانيا إلى إستبدال الغاز الروسي بالكامل بحلول منتصف عام ٢٠٢٤، على الرغم من أن بعض المرافق – بما في ذلك أكبر منتج للطاقة RWE – تعتقد أن الأمر قد يستغرق وقتًا أطول من ذلك، نظرًا لندرة المصادر البديلة وصعوبة الشراء.
يتفق الجميع على أنه سيكون مسعى مكلفًا لألمانيا، حيث قال المستشار الألماني أولاف شولتز في حزيران / يونيو ٢٠٢٢:-
لقد أعتمدنا لفترة طويلة جدًا وبشكل كبير جدًا على إمدادات الطاقة من روسيا، المعادلة القديمة بأن روسيا شريك إقتصادي موثوق به حتى في الأزمات لم تعد صالحة






